محمد بن جرير الطبري

304

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مستبطنين - ( 1 ) أحكامَ المسلمين المصدِّقين إقرارَهم بألسنتهم بذلك ، بضمائر قلوبِهم ، وصحائح عزائمهم ، وحميدِ أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم - معَ علم الله عز وجل بكذبهم ، واطلاعِه على خُبث اعتقادهم ، وشكِّهم فيما ادَّعوا بألسنتهم أنهم به مصدِّقون ( 2 ) ، حتى ظنُّوا في الآخرة إذْ حشروا في عِداد من كانوا في عِدادهم في الدنيا ، أنَّهم وارِدُون موْرِدَهم . وداخلون مدخلهم . والله جل جلاله - مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام المُلْحِقَتِهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه ، وتفريقِه بينهم وبينهم - ( 3 ) معدٌّ لهم من أليم عقابه ونَكال عذابه ، ما أعدّ منه لأعدى أعدائه وشر عباده ، حتى ميز بينهم وبين أوليائه ، فألحقهم من طبقات جحيمه بالدَّرك الأسفل = ( 4 ) كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعلِه بهم - وإن كان جزاءً لهم على أفعالهم ، وعدلا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له - كان بهم - بما أظهرَ لهم من الأمور التي أظهرها لهم : من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائِه وهم له أعداء ، وحشرِه إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين - إلى أن ميَّز بينهم وبينهم - مستهزئًا ، وبهم ساخرًا ، ولهم خادعًا ، وبهم ماكرًا ( 5 ) . إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل ، دون أن يكون ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم ، أو عليه فيها غير عادل ، بل ذلك معناه في كل أحواله ، إذا وُجدت الصفات التي قدَّمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره .

--> ( 1 ) في المطبوعة : " من أحكام المسلمين . . . " ، وهي زيادة خطأ ، وقوله " أحكام " منصوب بقوله " قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام " . . . " أحكام " ، وما بينهما فصل . ( 2 ) في المطبوعة : " أنهم مصدقون " . ( 3 ) سياق العبارة : " والله جل جلاله . . معد لهم . . " . ( 4 ) قوله : " كان معلومًا أنه جواب قوله " فإذا كان ذلك كذلك . . . " ، في أول هذه الفقرة . ( 5 ) أكثر الطبري الفصل بين الكلام في هذه الفقرة ، وسياق العبارة هو كما يلي : " . . . كان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم . . . كان بهم . . مستهزئًا ، وبهم ساخرًا . . . " ، وما بين الكلام في هذين الموضعين فصل للبيان .